فخر الدين الرازي
223
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى [ العلق : 9 ] التفت بعد ذلك إلى الكافر ، فقال : أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى اللّه أمرا بالتقوى أتنهاه مع ذلك . المسألة الثانية : هاهنا سؤال وهو أن المذكور في أول الآية هو الصلاة وهو قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى والمذكور هاهنا أمران ، وهو قوله : أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى في فعل الصلاة ، فلم ضم إليه شيئا ثانيا ، وهو قوله : أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ؟ جوابه : من وجوه أحدها : أن الذي شق على أبي جهل من أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام هو هذان الأمران الصلاة والدعاء إلى اللّه ، فلا جرم ذكرهما هاهنا وثانيها : أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يوجد إلا في أحد أمرين ، إما في إصلاح نفسه ، وذلك بفعل الصلاة أو في إصلاح غيره ، وذلك بالأمر بالتقوى وثالثها : أنه عليه السلام كان في صلاته على الهدى وآمرا بالتقوى ، لأن كل من رآه وهو في الصلاة كان يرق قلبه فيميل إلى الإيمان ، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل ، وهو أقوى من الدعوة بلسان القول . ثم قال تعالى : [ سورة العلق ( 96 ) : آية 13 ] أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) وفيه قولان : القول الأول : أنه خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأن الدلائل التي ذكرها في أول هذه السورة جلية ظاهرة ، وكل أحد يعلم ببديهة عقله ، أن منع العبد من خدمة مولاه فعل باطل وسفه ظاهر ، فإذن كل من كذب بتلك الدلائل وتولى عن خدمة مولاه بل منع غيره عن خدمة مولاه يعلم بعقله السليم أنه على الباطل ، وأنه لا يفعل ذلك إلا عنادا ، فلهذا قال تعالى لرسوله : أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة ، وتولى عن خدمة خالقه ، ألم يعلم بعقله أن اللّه يرى منه هذه الأعمال القبيحة ويعلمها ، أفلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال القبيحة والثاني : أنه خطاب للكافر ، والمعنى إن كان يا كافر محمد كاذبا أو متوليا ، ألا يعلم بأن اللّه يرى حتى ينتهي بل احتاج إلى نهيك . أما قوله : [ سورة العلق ( 96 ) : آية 14 ] أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى : المقصود من الآية التهديد بالحشر والنشر ، والمعنى أنه تعالى عالم بجميع المعلومات حكيم لا يهمل ، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فلا بد وأن يوصل جزاء كل أحد إليه بتمامه فيكون هذا تخويفا شديدا للعصاة ، وترغيبا عظيما لأهل الطاعة . المسألة الثانية : هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى عن طاعة اللّه فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد ، ولا يرد عليه المنع من الصلاة في الدار المغصوبة والأوقات المكروهة ، لأن المنهي عنه غير الصلاة وهو المعصية ، ولا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل / وصوم التطوع وزوجته عن الاعتكاف ، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضا لعبادة ربه . [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 15 إلى 16 ] كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 )